ميرزا محمد حسن الآشتياني
98
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
جوّزه هو نفس تردّد الخطاب من غير مدخليّة تردّد المتعلق مع أن بداهة العقل يحكم بعدم جواز ارتكاب المانع المردّد بين النجس ومال الغير مثلا والحاصل أنّ تردّد المتعلق غير مؤثر عند المفصّل في تنجز الخطاب ولهذا حكم بوجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة في الجملة وإنما المانع عنده تردد الخطاب فلا فرق فيه بين تردّد متعلّق الخطاب المردّد وعدم تردّده كما هو واضح ومما يدلّك على ما ذكرنا هو ما ذكره دام ظله بقوله والحاصل أن النواهي الشرعيّة إلى آخره وحاصله يرجع إلى أن الوجه في عدم جواز تجويز الشارع لارتكاب الشبهة في صورة العلم الإجمالي بالحرام هو لزوم الإذن في معصية النهي أو التناقض في جعله وهو بعينه موجود في صورة تردّد الخطاب لأن العلم بوجود متعلّق أحد الخطابين المشتبهين يكون الإذن في ارتكابهما إذنا في ارتكاب ما نهي عنه قطعا وهذا معنى كون النواهي الشرعيّة بعد الاطلاع عليها بمنزلة نهي واحد هذا ولكن لا يخفى عليك أنه يمكن إرجاع هذا إلى ما ذكرنا أوّلا في تقرير دليل حكم العقل كما يعلم من الرجوع إليه والتدبر فيه ( قوله ) وبالجملة فالظاهر إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) ما ذكره لا يخفى وضوحه على من له أدنى تدبّر إذ بعد فرض كون العلم على الوجه المذكور منجّزا للخطاب المردّد لزم احتمال الضرر في كل من المشتبهين لاحتمال وجود متعلّقه وقد عرفت أنّ المناط في حكم العقل بوجوب الاحتياط وتحصيل الموافقة القطعية ليس إلّا احتمال الضرر الأخروي في فعل المشتبه وهو لازم قضية تنجّز الخطاب كما لا يخفى فلا تفكيك في المقام بين حرمة المخالفة القطعيّة ووجوب الموافقة القطعية بل قد عرفت في غير مورد من كلماتنا السابقة أنه لا تفكيك بينهما بالنظر إلى حكم العقل في جميع الموارد وأنه لا ينافي عدم التفكيك بينهما في حكمه تجويزه إذن الشارع في عدم تحصيل الموافقة القطعيّة وعدم تجويزه إذنه في المخالفة القطعيّة فراجع إليه حتى تقف على حقيقة الأمر ولكن لا يخفى عليك أن ما ذكره دام ظله في تقرير إثبات وجوب الموافقة القطعيّة لا يخلو عن تأمّل لأن الظاهر منه كما لا يخفى على المتأمل إرادة إثبات الوجوب مع قطع النظر عن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بنفس عدم جريان أدلة البراءة ونظير هذا قد تقدّم منه في أول مسألة الشبهة المحصورة وقد عرفت ما فيه ثمّة ومن الرجوع إليه والتأمّل فيه يظهر لك حقيقة الحال في المقام أيضا فلا حاجة إلى إطالة الكلام وإن أمكن أن يقال إن مراده ممّا أفاده إثبات عدم المانع بعد فرض وجود المقتضي لوجوب الاحتياط لفرض انحصاره في دليل البراءة وإن لم يساعده قوله بل الظاهر استقلال العقل في المقام لما عرفت من أن الدليل على وجوب الاحتياط والموافقة القطعيّة هو حكم العقل المذكور بعد شمول الخطاب الواقعي فتأمل ( قوله ) أقواهما الأوّل إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) لا يخفى أن ما أفاده من أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل حكم إرشادي لا يترتب على مخالفته من حيث هي مخالفته شيء على ما هو الشأن في الطلب الإرشادي مطلقا في غاية الوضوح وقد تكرر القول منّا فيه في طيّ كلماتنا السّابقة في هذا الجزء وفي الجزء الأول من التعليقة إلا أن ما أفاده من الترقي بالنسبة إلى الضرر المقطوع لا بد من أن يحمل على الضرر الأخروي كما هو الظاهر من العبارة عند التأمل أيضا كيف ويصرّح بعد ذلك بكون ارتكاب الضرر المقطوع الدنيوي من المحرّمات الشرعيّة ولا ينافي كون حكم العقل في باب الضرر مطلقا إرشاديّا كما هو شأن حكمه في جميع الموارد لامتناع صدور الطلب المولوي الذي يناط به الثواب والعقاب من العقل وإن كان الحكم الشرعي المنكشف منه بقاعدة التلازم في مسألة التحسين والتقبيح مولويا على ما عرفت شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا السابقة ( ثمّ ) إن الكلام في المسألة لا تعلّق له بالفقه ولا أصوله لعدم ترتب ثمرة عمليّة عليها من حيث إن تعدّد العقاب ووحدته لا يثمر أن أصلا في هذه النشأة اللهم إلا أن يفرض هناك ثمرة نادرة ( قوله ) وإلى هذا المنع أشار إلى آخره ( 3 ) ( أقول ) قد يورد على ما ذكره بأن إيجاب الشارع ترك ما لا بأس به في نفسه ومع قطع النظر عن هذا الخطاب لا ينافي وجود البأس بملاحظة هذا الخطاب ومجرّد المعنى المذكور لا يدلّ على كون الأمر بالترك إرشاديّا فيؤخذ بظاهره ويحكم باستحقاق العقاب على مخالفته وإن لم يكن هناك عقاب مع قطع النظر عن هذا الأمر إلّا على ارتكاب المنهيّ عنه واقعا هذا ولكن قد عرفت عند التكلّم في أخبار التوقف ما يظهر منه فساد هذا الإيراد ونقول هنا أيضا أن الأمر بالترك في نفسه وإن كان ظاهرا في الطلب الشرعي على ما هو قضيّة ظاهر الأمر الصّادر من الشارع على الإطلاق إلّا أن تعقيبه عليه السلام الأمر بقوله حذرا عما به البأس الظاهر في العليّة لا الحكمة قرينة على كون المقصود من الأمر مجرد الإرشاد وظهوره حاكم على ظهور الأمر في الطلب الشرعي كما لا يخفى وجهه فتبيّن أن الظاهر من الأوامر الشرعيّة الواردة في المقام أيضا هو الإرشاد هذا [ في الأمرين الذين ينبغي التنبيه عليهما ] ( ثم ) إن هاهنا أمرين ينبغي التنبيه عليهما ( أحدهما ) أنه يمكن أن يقال بعدم استحقاق العقاب على مخالفة الأمر بترك المشتبهين وإن قلنا بكونه شرعيّا ظاهريّا نظرا إلى عدم استحقاق العقاب على مخالفة الأمر الظاهري إلا على القول باستحقاق العقاب على التجري الممنوع عند شيخنا قدس سره وعليه لا نفرق بين كون الطلب شرعيّا وبين كونه إرشاديّا لعدم ثبوت الملازمة بين استحقاق العقاب والطلب الشرعي بقول مطلق وستقف على تصريح الأستاذ العلامة بهذا المعنى في آخر هذا الجزء من الكتاب في مسألة وجوب الفحص وإن كان الظاهر منه في المقام وفي غير مورد من الجزء الأول خلافه وإن في مخالفة الأحكام الظاهريّة مطلقا استحقاق للعقاب وقد عرفت تفصيل القول فيما يقتضيه التحقيق ثمّة وستعرفه إن شاء اللّه بعد هذا ( ثانيهما ) أنه لو كان الأمر بوجوب الاجتناب عن المشتبهين شرعيّا مقتضيا للعقاب على مخالفته للزم الالتزام بتعدّد العقاب بتعدّد أطراف الشبهة زائدا على عقاب مخالفة الواقع المفروض على كل تقدير ضرورة تعدّد المسبّب بتعدّد سببه لأن المفروض أن مخالفة الأمر الظاهري علّة لاستحقاق العقاب ومخالفة الأمر الواقعي أيضا علّة لاستحقاق العقاب فهما عنوانان لا دخل لأحدهما بالآخر والقول بأن مرتكب المشتبهين قد خالف أمرين أمرا واقعيا متعلقا بالواقع وأمرا ظاهريّا متعلّقا بالمشتبهين لا ثلاثة أوامر مما لا يخفى فساده ضرورة أنّ